)- مبدأ الارتياب2 الدّيناميكي: Dynamical Instabilities
والآن، وبعد أن درسنا مفهوم الحتميّة في الفيزياء، والشّروط الأوّليّة في النّظم الفيزيائيّة، ومبدأ الّلايقين في القياس، فبإمكاننا الآن دراسة مفهوم الارتياب الدّيناميكي الّذي هو بدوره مفهوم مرادف لكلمة الّشواش في الفيزياء. والارتياب الدّيناميكي هو سلوك يرجع إلى نمط خاص جدّاً لاضطّراب فيزيائيّ مرصود في زمن معيّن داخل المنظومة الفيزيائيّة. وقد صيغ هذا المبدأ في القرن التّاسع عشر على يد الفيزيائي الرّياضي هنري بوانكاريه.
كان بوانكاريه عالماً فيزيائيّاً اهتمّ بالرّياضيّات والمعادلات الرّياضيّة الّتي تصف حركة الكواكب التّي تدور حول الشّمس. حيث أنّ المعادلات الّتي تصف دوران الكواكب حول الشّمس ما هي إلّا تطبيقات لقوانين نيوتن في الحركة، ولذلك فهي تتضمّن طابعاً حتميّاً. وما دامت هذه المعادلات الرّياضيّة حتميّة، طبعاً من جرّاء معرفتنا بالشّروط الأوّليّة المناسبة - في هذه الحالة، مواقع وسرعات الكواكب السّيّارة في زمن محدّد - فإنّنا سنكتشف مواقع وسرعات الكواكب السّيّارة في أيّ زمن سواء في الماضي، أو ما ستكون عليه في المستقبل. ولكن كانت هناك حالة دائمة من الإبهام والشّكّ والغموض، مهما بلغت ضآلتها، في جميع التنبّؤات والتّوقّعات الفلكيّة التّي نستخلصها من القوانين الرّياضيّة النّيوتونيّة. وقد ظلّ الأمر كذلك حتّى حلول عصر بوانكاريه، حيث أنّ حالة الّلايقين المزعجة الكامنة في التنبّؤات والتّوقّعات الفلكيّة كانت تعتبر من المشكلات الرّئيسيّة، وذلك بسبب افتراض ضمنيّ تمّ اتّخاذه من قبل جميع الفيزيائييّن في ذلك العصر… ويقول هذا الافتراض: (أنّك إذا استطعت تقليص حالة الّلايقين الكامنة في الشّروط الأوّليّة - ربّما باستخدام آلات بالغة الدّقّة في القياس - فإنّ أيّ غموض أو ارتياب في التنبّؤ سوف يتقلّص بنفس الطّريقة). وبعبارة أخرى، عندما نزيد من مقدار الدّقّة ضمن المعطيات والشّروط الأوّليّة في القوانين النّيوتونيّة، فإننا نحصل على نتائج أكثر دقّة وصحّة في التّوقّعات المستقبليّة.
لكنّ بوانكاريه كان قد لاحظ أنّ هناك عدّة أنظمة فلكيّة لا تخضع للقانون الذّي يقول: (كلّما قلّت كمّيّة الشّروط الأوّليّة، أدّى ذلك إلى تقليص كمّيّة التّوقّعات المستخلصة بطريقة متساوية). وعندما قام بوانكاريه بتحليل المعادلات الرّياضيّة وجد أنّه حتّى الأنظمة الفلكيّة البسيطة تخضع لقانون (تقليص ــ تقليل) للشّروط الأوّليّة والنّتائج المستخلصة النّهائيّة، وهناك أنظمة أخرى لا تخضع لهذا القانون.
أمّا الأنظمة الفلكيّة التّي لا تخضع لهذا القانون (تقليص ــ تقليل) فإنّها تتكوّن من ثلاثة أو أكثر من الأجرام الكوكبيّة متفاعلة فيما بينها بشكل نموذجيّ. ومن اجل أنواع كهذه الأنظمة، فقد رأى بوانكاريه أنّ هناك تشويشاً وفوضى بالغة الصّغر ضمن الشّروط الأوّليّة سوف تتزايد مع الزّمن وبدرجة هائلة. وقد أثبت بوانكاريه أنّ هذا التّشويش، وهذه الفوضى بالغة الضآلة، الكامنة في الشّروط الأوّليّة سوف تبقى حتّى ولو تقلّصت الشّكوك والّلايقين إلى أصغر حجم يمكن تخيّله. وهكذا في مثل هذه الأنظمة - حتّى لو تمكّنّا من تعيين القياسات لآلاف المرّات، بل لملايين المرّات - فإنّ حالة الّلايقين لن تتناقص في المستقبل، بل ستبقى ولكن بنسب متفاوتة.
وقد حاول بوانكاريه إثبات أنّ هذه "الأنظمة المعقّدة" هي الطّريقة الوحيدة لتحقيق النّتائج المرجوّة مع أكبر درجة ممكنة من الدّقّة. وسوف يستلزم تعيين الدّقّة في الشّروط الأوّليّة إلى توقّعات ضخمة وغير محدودة. وأيّ غموض أو تشويش - مهما بلغت ضآلته - ضمن هذه الأنظمة الفلكيّة التّي تكلّم عنها بوانكاريه سوف ينجم عنه - بمرور الوقت - نوع من الارتياب الّذي قد يكون من الصّعب جدّاً قياسه في صلب التنبّؤات الحتميّة. وقد أطلق على هذه الحساسيّة المفرطة تجاه الشّروط الأوّليّة اسم (الارتياب الدّيناميكي)، أو ببساطة (الشّواش / Chaos).
ولأنّ التنبّؤات الرّياضيّة بعيدة المدى التّي تصف المنظومات الشّواشيّة لم تعد أكثر دقّة من الصّدفة العشوائيّة، فإنّ معادلات الحركة لا تستطيع أن تقدّم سوى توقّعات قريبة المدى مع درجة ضئيلة من الدّقّة واليقين.
لقد عدّ عمل بوانكاريه عملاً هامّاً في ذلك الوقت من قبل بعض الفيزيائييّن النّظرييّن، وقد تطلّب مضيّ العديد من العقود قبل اكتشاف المضامين الحقيقيّة لهذه الاكتشافات من قبل المجتمع العلميّ… والسّبب الأساسيّ هو الاكتشافات العديدة التّي حققّها عدد من الفيزيائييّن ضمن مجال جديد في الفيزياء يدعى (الميكانيك الكمومي*).
6)- مظاهر الشّواش3: Manifestations of Chaos
عندما اكتشفت ظاهرة الشّواش اعتبرت هذه الظّاهرة شذوذاً رياضيّاً، وبعد عقود من تحقيق هذا الكشف الكبير، اكتشف الفيزيائيون أنّ السّلوك الشّواشيّ منتشر بشكل كبير جّداً في الطّبيعة، حتّى أنّهم اعتقدوا أنّ الشّواش هو سمة من سمات الكون. وكان أحد أكبر الاكتشافات في هذا المجال قد حدث على يد عالم الأرصاد الجوّيّة إدوارد لورينتز الّذي وضع برنامجاً رياضيّاً حاسوبيّاً لدراسة نماذج مبسّطة لحالة الطّقس. وقد درس لورينتز بالتّحديد كيفيّة صعود وهبوط تيّارات الهواء عند تسخينها من قبل الشّمس.
تضمّن برنامج لورينتز الرّياضي معادلات تتحكّم بتدفّق التّيّارات الجوّيّة، في حين أنّ قوانين البرنامج كانت تعمل بطريقة حتميّة. وقد اعتقد لورينتز أنّه بإدخاله ذات قيم الشّروط الأوّليّة في كلّ مرّة في الحاسوب فإنّه سيعطيه نفس النّتائج التّي أعطاه إيّاها في المرّة الأولى. ولكنّ الذّي حدث أنّه كان يحصل على نتائج مختلفة في كلّ مرّة، وبعد تمحيص دقيق اكتشف لورينتز أنّه لم يكن يدخل ذات القيم في الحاسوب، بل كانت تختلف من مرّة إلى مرّة بتفاصيل دقيقة جّداً. ولم يلاحظ لورينتز أنّ قيم الشّروط الأوّليّة التّي كان يدخلها مختلفة لأنّ التغيّرات فيها كانت ضئيلة للغاية، لدرجة تعتبر أنّها ميكروسكوبيّة وغير هامّة حسب المعايير المعتادة.
لقد درست البنى الرّياضيّة للنّماذج الجوّيّة التّي وضعها لورينتز في السّبعينات من القرن الماضي، وكان معروفاً أنّ أيّ تفاوت بسيط وغير ملحوظ بين قيم شرطين أوّليّين سينجم عنه اختلاف كبير جدّاً -عاجلاً أو آجلاً - في النتّائج المترتبّة عنها. وطبعاً، هذه هي السّمة الأساسيّة والمميّزة للمنظومات الشّواشيّة.
يعتقد علماء اليوم أنّ الطّقس عبارة عن منظومة شواشيّة - على غرار برنامج لورينتز الإلكترونيّ - وهذا يعني أنّه لكي نضع توقّعات جوّيّة بعيدة المدى وبأفضل درجة ممكنة من الدّقّة واليقين، فإنّ علينا أن نأخذ بعين الاعتبار عددا غير محدود من القياسات، حتّى ولو فرض علينا هذا أن نملأ الغلاف الجوّيّ بعدد هائل من أجهزة القياس: مقاييس الحرارة، مقاييس سرعة الرّياح، مقاييس الضّغط الجوّي… ولكن الارتياب والمتغيّرات سوف تظهر منذ اللّحظة الأولى ضمن القيم الأوّليّة التّي جمعت من آلات القياس الموزّعة على شكل مصفوفات في كافّة أرجاء الغلاف الجوّيّ. ولأنّ الغلاف الجوّيّ ذو طبيعة شواشيّة في الأساس، فهذه المتغيّرات الارتيابيّة - مهما بلغت ضآلتها- سوف تطغى على أيّ قياس وتعمل على تشويش النّتائج وتسقط عنها الدّقّة واليقين.
غالباً ما يطلق على هذا المبدأ ضمن مجال الأرصاد الجوّيّة بــ "تأثير الفراشة*"، وينصّ هذا المبدأ على أنّه لو رفّت فراشة بجناحيها في قسم ما من العالم، قد ينتج عن هذه الرّفّات في غضون سنة أعاصير وعواصف هائلة في الجهة المقابلة من العالم. وبذلك تكون التّوقّعات الجوّيّة قريبة من الدّقّة فقط عندما تكون على المدى القريب حسب المبدأ السّابق4. أمّا التّوقّعات ذات الطّابع بعيد المدى، فلن تكون أكثر من مجرّد توقّعات محكومة بالصّدفة في أحسن الأحوال، حتّى ولو كانت موضوعة من أكثر العقول الإلكترونيّة تعقيداً.
الظّاهر أنّ وجود الأنظمة الشّواشيّة في الطّبيعة قد حدّ من قدرتنا على تطبيق القوانين الفيزيائيّة للحصول على تنبّؤات دقيقة، فاكتشاف الشّواش دلّ على أنّ صفتي الفوضى والعشوائيّة كامنتان في قلب النّماذج الكونيّة التّي نعتقد بأنّها حتميّة وجبريّة. وبسبب هذه الحقيقة، بدأ العلماء بالتّساؤل عمّا إذا كان القول بوجود نظام حتميّ للكون له أيّة معنى.
يبقى هذا التّساؤل قائماً ومفتوحاً على مصراعيه، ولكنّه سيقدّم الأجوبة للعلماء - ولو حتّى جزئيّاً - عن كيفيّة عمل الأنظمة الشّواشيّة. وأحد أهمّ الجوانب في مجال دراسة هذه الأنظمة هو ما إذا كان الشّواش يخلّف نظاماً ونماذج رتيبة في الشّكل العامّ. وقد اعتقد علماء الفيزياء المعاصرة أنّ الشّواش - الفوضى التّي تعمل ضمن القوانين الحتميّة والجبريّة ضمن المجال الميكروسكوبي - هو أمر ضروريّ جدّاً وأساسي لبروز النّماذج الفيزيائيّة المنتظمة في الشّكل العامّ. ويعتقد بعض العلماء في الوقت الحالي أنّ وجود الشّواش في الفيزياء هو الذّي يعطي الكون "سهمه الزّمني"*، الّذي هو سريان غير معكوس للزّمن من الماضي باتّجاه المستقبل.
الخاتمة:
دخلت دراسة الشّواش في الفيزياء القرن الحادي والعشرين، ومازال التّساؤل قائماً هل للكون خصائص حتميّة وجبريّة، وستبقى على هذه الحال بلا شكّ، حتى ولو فهمنا المزيد والمزيد عن طريقة عمل المنظومات الشّواشيّة. ولعلّ دراسة الشّواش ستكون الطّريق لفهم مكوّنات معرفتنا البشريّة التّي أُزهقت من أجلها ملايين بل مليارات الأرواح، وسيكون الشّعلة المنيرة لفهم تعقيدات المعرفة البشريّة والعقل البشريّ، بل ولفهم ذاتنا الإنسانيّة وما نحن عليه في الحقيقة.
عن موقع:
http://order.ph.utexas.edu/chaos
E-mail:
outlandish2020@yahoo.com