السلام عليكم،،
أشكر الأخ Skeptic على إضافتي إلى المنتدى ومنحي الفرصة لعرض آرائي ووضعها تحت المجهر. وأتمنى أن يكون نقاشاً ودياً ناجحاً تعم فيه الفائدة.
الضبط المحكم موضوع تحدث فيه الكثير وبالتالي ستجدون له تعريفات كثيرة، منها ما هو متهور كالذي يقول أن كل شيء له مغزى أو أن كل عوامل الطبيعة بلا استثناء لها علاقة بإتاحة الفرصة للحياة وبالذات حياتنا البشرية. فأرجو من أخي أن لا يلزمني بتعريفات غيري ويلتزم بالرد على ما أقوله أنا فقط.
الثوابت الكونية التي تدخل تحت مظلة الضبط المحكم كثيرة، منها كتلة الالكترون وسرعة الضوء والثابت الكوني وغيرها. في هذه المناظرة سأتكلم فقط عن ثابت واحد من هذه الثوابت لكي لا نتشتت. اخترت الثابت الكوني Cosmological Constant وهو ثابت مثير للجدل، ليس في مدى دقة ضبطه فهذا معترف به عند الجميع بمن فيهم الملاحدة، ولكن الجدل يكمن في تداعيات هذا الرقم الصغير جداً. كيف تحصّل كوننا على هذه الخاصية؟ هل وراءها إله أحكم هذا الرقم الدقيق؟ هل الأكوان المتعددة اللانهائية هي أفضل تفسير لهذا الرقم؟ هنا يكمن الخلاف، في التداعيات الفلسفية لهذا الرقم وهذا ما أتوق إلى النقاش فيه. وهنا أطلب من خصمي طلب بسيط: يجب علينا أن نفرق بين الحقائق والآراء. الحقائق هي ما يجب علينا أن ندلل عليها بمصدر موثوق. أما الآراء فهي مبنية على الحقائق ولا يصلح أن ندلل عليها بقول عالم مشهور أو بمصدر موثوق. مثلاً، القول بأن الأكوان المتعددة هي أفضل تفسير للرقم هو "رأي"، يجب أن تنتهي إليه بنفسك باستعمال حجج منطقية متسلسلة تسلسل سليم بلا قفزات. فلا تستشهد بأحد يقول هذا الرأي لأنه لا يلزمني هذا الرأي حتى لو قاله أشهر عالم في الفلكيات (لا أقولها بجاحة ولكن هي مجرد منهجية، بالطبع لو قالها أشهر عالم سأعيد النظر في منطقي وأقارنه مع منطق العالم). أرجو أن تكون اتضحت هذه النقطة فهي مهمة قبل الاستمرار في المناظرة. يمكنك أن تناقشني فيها بعيداً عن هيكلة المناظرة إذا لم توافقني.
آسف على المقدمة الطويلة، سأخوض الآن في طرح الفكرة.
تعريف الثابت الكوني: هو (بدون الخوض في التفاصيل وبتبسيط) الثابت الذي يعبّر عن مدى قوة الطاقة التي تعمل عكس الجاذبية ومسؤولة عن توسع الكون بعد الانفجار العظيم، أحيانا يطلق على هذه الطاقة بالطاقة الداكنة Dark Energy.
حقيقة: الثابت الكوني مقداره في أحسن تقدير ١،٧ x ١٠^-١٢١ (عشرة مرفوعة للأس سالب ١٢١) وحدة بلانك.
المصدر:
http://arxiv.org/abs/1105.3105
هذا الرقم صغير جداً لدرجة أن بعض العلماء تساءلوا لماذا لم يكن صفراً. والجواب في الحقيقة الثانية.
حقيقة٢: لو كان الثابت صفر لغلبت الجاذبية على تمدد الكون وانكبس على نفسه قبل أن تتكون المجرات، ولو كان أكثر قليلا لكان التمدد أقوى بكثير لدرجة أن الكون سيتوسع إلى درجة التلاشي ولا يُسمح لأي مجرة بالتكتل.
المصدر:
http://discovermagazine.com/2000/nov/cover/ لقد تحققت من أن المجلة معروفة وهي Peer Reviewed.
حتى الآن لا توجد أية مؤشرات تدل على أن الثابت الكوني أو غيره من الثوابت هم على ما هم عليه لأن هناك ضرورة فيزيائية. أي أنه لا يوجد شيء يمنع الثابت الكوني أن تكون قيمته ٠،٠٣٥ مثلاً أو ١٣ أو صفر. إن كانت هذه الضرورة موجودة فسيسقط عبء إثباتها على خصمي.
الآن الضبط المحكم الذي أود أن أطرحه سيجادل في شيء واحد. لن أقول أنه يسمح بالحياة لأن ذلك يحتاج إلى ثوابت أخرى ومواضيع ثانية لا نريد الدخول فيها. كل ما أريد أن أقوله هو أن ضبط الثابت الكوني يسمح بنشأة كون له ملامح مستقرة لفترة زمنية طويلة فقط. قد يتخيل أحد أن نشأة كون له ملامح شيء سهل ولا يحتاج إلى شيء، ولكن اكتشاف هذا الثابت وضّح أن المسألة ليست سهلة أبداً بل بغاية الصعوبة وهي إيجاد هذا الرقم الصغير جداً من بين كل الاحتمالات المتاحة.
لو فرضنا أن هناك حد أعلى لهذا الرقم وهو ١ فستكون الأرقام المتاحة له بين الصفر والواحد فقط، ولو فرضنا أن المنطقة الذهبية (التي يصلح عندها أن يكون هناك كون بملامح) سماكتها أو مداها هو ١٠^-١٠٠ من باب التحفظ مع أنه أصغر من ذلك بكثيييير. بالتالي احتمالية أن تصيب الصدفة هذه المنطقة الذهبية هي ١ (لأن هناك منطقة ذهبية واحدة فقط) تقسيم عدد المناطق بين الصفر والواحد وهو ١٠^١٠٠، والنتيجة هي أن الاحتمال هو "صفر فاصلة مئة صفر ثم ١. إذاً ما طبيعة بقية الاحتمال إذا كان هذا هو نصيب الصدفة. البقية وهي ٩٩،٩٩٩٩٩٩٩٩٩٩٩٩٩٩٩٩٩٩٩٩...٪ يجب أن تمثل احتمالية التصميم الذكي، وهذا يحتاج إلى شرح وتدليل.
قد نعطي بعض من الاحتمال إلى وجود أكوان لا نهائية بثوابت مختلفة مسؤولة عن هذا ضبط الثابت مع أننا لا نعلم أبداً بوجودها. يجب أن نعطي مساحة لجهلنا ولكن قد ايش نعطيه؟ هذا السؤال الفلسفي الجوهري الذي لم أجد له بحثاً فلسفياً مطولاً يتبحر فيه. أعرف فقط أنه يستحيل أن نعطي احتمال ٥٠٪ لوجود "سبب" لم يكتشفه العلم بعد ولا نعرف عنه أي شيء. لو كان الأمر كذلك لما تقدّم العلم. هنا قد يستوقفني شخص ويقول: ولكن لماذا أخرجت احتمالية وجود إله من دائرة الجهل بالسبب. الإله المتعالي على الكون لا نعلم عنه شيئاً فلماذا لا يكون احتمالية وجوده كاحتمالية وجود الأكوان المتعددة؟ وهذا سؤال وجيه. أولاً فكرة الضبط المحكم التي أطرحها لا تنتهي إلى نتيجة وجود إله الأديان، وإنما فقط تقول أن المسؤول عن ضبط الثابت الكوني هو "عقل". لماذا أرجح هذا الاحتمال؟ لأننا نعرف العقول ونعرف إمكانياتها وما تقوم به، نرى عقول البشر ونرى عقول الحيوانات ونرى أن هذه العقول تقوم بشكل مستمر بعملية اختيار شيء من مجموعة أشياء لهدف معين أو مصلحة معينة. وهذه الاحتمالات الأخرى التي لم يختارها كلها أو أغلبها لا تفي بالغرض الذي يريده. أقول هذا من أجل التمييز. فوجود كون ثابت ومستقر شيء مميز عن عدم وجود كون.
فبناءاً على تجربتنا السابقة مع العقول وما تفعل نستنتج أن "أكبر احتمال" مسؤول عن اختيار وضبط هذا الثابت الكوني هو "عقل" أراد أن يكون هناك كون بدل من لا كون. هذا كل ما أريد أن أنتهي إليه، بدون دخول في أديان سماوية أو أديان بطيخية، فأرجوك لا تسألني لماذا أنت مسلم أو نصراني لأن هذا يحتاج إلى أدلة أخرى وإيمانيات أخرى (نعم أقر أنه لا بد من وجود إيمان وهذا الشيء لا مفر منه ابيستيمولوجياً) ويعتبر خروج عن الموضوع.
انتهى الطرح
بصراحة لا أمانع أن تبدأ بالرد مباشرة، لأن الموضوع هو عبارة عن ادعاء من قِبَل المألهين، هو إما ادعاء صحيح أو باطل، فإذا كان موقفك منه أنه باطل فلا داعي أن تقوم بطرح موضوع قد يبتعد عن النقاط المعدودة المحصورة في طرحي، إلا إذا كنت ترى عكس ذلك. لن ألح بهذا الاقتراح.
وشكراً
أخوكم محمد السري