الله وخدعة الأسعار في المتاجر والمطاعم السريعة
هل تذكر مرة أنك دخلت إلى مطعم سريع فنظرت إلى وجبة كومبو ثمنها خمسة دولارات وقلت لنفسك إنها رخيصة؟ كيف تكون رخيصة وأنت تستطيع بالثمن نفسه شراء ثلاث دزينات كاملة من البيض وهو ما يعادل اثنتي عشرة وجبة مشبعة وصحية!
الجواب هو أن وجبة الكومبو تبدو رخيصة مقارنة ببقية الأصناف المعروضة داخل المطعم، فمكونات الوجبة نفسها (الشطيرة أو الساندويتش والبطاطا والمشروب الغازي) أغلى بكثير إن اشتريتها فرادى وهو ما يعطيك إيحاء كاذبا أنك حصلت على عرض رابح بينما في الحقيقة لا يكلفك الأمر إلا أن تمشي بضع خطوات إلى أقرب بقالة حتى تدرك أنك كنت ضحية فخ التلاعب بالمرجعية.
هذا المبدأ، مبدأ التلاعب النفسي بالمرجعية benchmark التي تقارن بها بقية خياراتك مبدأ معروف وشائع في علم التسويق ويطبقه الناس البارعون في فهم النفس البشرية ونحن نكون مستخدميه (أو ضحاياه) بصورة يومية سواء شعرنا بذلك أو لم نشعر. تدخل متجر إيكيا للأثاث فتخرج منه وأنت تعتقد أن غرفة النوم الكبيرة رخيصة إذا كان سعرها 1500 دولار، ثم تدخل الحراج الوطني فيهبط حدك المرجعي لما هو رخيص من 1500 دولار إلى 500 دولار فقط (مع فرق صغير في الجودة إذا اخترت الدكان الصحيح). تدخل متجر دبنهامز للملابس فترى القميص المسعر بـ 45 دولارا قميصا رخيصا ثم تأخذ جولة في محلات الجملة فيستحيل قميص دبنهامز ذو الـ 45 دولارا إلى سرف وتبذير لا يطاق. أو تراك سمعت بقصة الصبي الذي أتى والده وهو يقول مرتبكا: "أبي، كنت ألعب مع رفاقي كرة القدم وشاط أحدنا الكرة بقوة جدا و.. أتعرف شباك غرف الضيوف الكبير؟"، صاح الأب في ذعر وانفعال: "كسرتموه!"، قال الصبي: "ليس هو وإنما شباك الحمام الصغير الذي بجانبه"، فاسترخى الأب وقال لابنه باسما: "آه، بسيطة إذا هيك!"، ولكن هل تراه كان سيرى الأمر بسيطا لولا أن ابنه حول مرجعيته بخبث مدروس من "ولا شباك مكسور" إلى "شباك غرفة الضيوف الفاخر الواسع مكسور"؟
نفس التلاعب الرخيص نراه في الأديان عموما وهو يتجلى في الإسلام بوضوح في قصة الخمسين صلاة التي خفضت إلى خمس صلوات! اليوم كل أديان العالم تنظر متعجبة إلى التكاليف الثقيلة التي تستهلك وقت المسلم (والوقت من أثمن ما يملكه الإنسان فحياتنا مكونة من الوقت!)، ولكن المسلم ممنوع من مقارنة دينه ببقية الأديان في سوق مفتوحة، بل عليه أن يقارن ببقية الأصناف المعروضة داخل مطعم الله فقط: إما عشر صلوات أو خمس عشرة أو عشرون حتى خمسين صلاة. ضمن هذه الخيارات ألا يبدو خيار الخمس صلوات صفقة رابحة! وكذا الأمر مع كافة تكاليف الإسلام الشاقة والمستنزفة.
تمن علينا يا محمد أننا –حسنا، يوم كنا مسلمين على الأقل- نقضي ما لا يقل عن ساعة يوميا في أداء رقصة مقدسة لإله يدعي أنه في غنى عنها؟ هذا تسميه تكليفا مخفضا "للشكر الواجب للإله" يستحق الشكر بحد ذاته؟
حتى الآن يبدو الأمر سهلا (إذ لدينا أديان أخرى لنقارن الإسلام بها)، ولكنه سيصبح أكثر تعقيدا حين نتحدث عن منّ الله علينا بنعمه التي لا تعد ولا تحصى، غاضا الطرف عن البلايا التي تفوقها بكثير حتى تتوج انتصارها بما يسميه المؤمنون هادم اللذات: الموت، فكل نعمة مهما كانت تنتهي بالموت. ما هي فكرة الله عما ينبغي علينا توقعه حتى يمن علينا بهذه "النعم"؟ حينما يصنع الله ذلك ويمن علينا بعقولنا وأسماعنا وأبصارنا فإنه يفترض باطنا أن "الأمر الطبيعي" هو أن يرمينا في هذه الدنيا ونحن طرشان وعميان ومعتوهون عقليا وبلا أطراف ولا.. ولا ماذا؟ (لا تسألوا كيف ينبغي علينا أن نوجد في هذه الدنيا أساسا إن كنا سنجرد من حواسنا وأجسادنا في النهاية) هل نعرف أكوانا وعوالم أخرى يولد الناس فيها وهم بلا أسماع ولا أبصار كي نعتبر كوننا هذا جميلا يطفح بالنعم؟ لماذا لا تكون الجنة هي المرجعية بالنسبة لخالق رحيم كما يصف نفسه؟ أنا والد وجربت أن يكون لدي ولد أحرم نفسي من اللذة الشخصية من أجل مصلحته أو من أجل أن أدفع الأذى عنه، فهل أنا أشد رحمة بابني من الله بخلقه؟
لكن لا، مرة أخرى يصر الله على أن يكون هو المرجعية الوحيدة لما هو كثير أو قليل أو صحيح أو خطأ أو غال أو رخيص، تماما مثل التاجر الذي يعرف أن بضاعته رديئة ولا تصمد في السوق فيقفل عليك باب متجره بالمفتاح ويضع أمامك قائمة خير ما فيها وجبة كومبو من الصراصير. وحينما تظل محبوسا داخل المطعم فترة كافية، ثق أنك ستصدق أن هذه الصراصير هي أحسن طعام في العالم.
|