عرض مشاركة واحدة
قديم 06-28-2017, 08:07 PM haithem غير متواجد حالياً   رقم الموضوع : [24]
haithem
موقوف
 

haithem is an unknown quantity at this point
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة lilith1988 مشاهدة المشاركة

وأما إجماع العلماء : فقال إياس بن معاوية - الإمام المشهور قاضي [ ص: 195 ] البصرة من التابعين - : السماء على الأرض مثل القبة .

وقال الإمام أبو الحسين أحمد بن جعفر بن المنادي من أعيان العلماء المشهورين بمعرفة الآثار والتصانيف الكبار في فنون العلوم الدينية من الطبقة الثانية من أصحاب أحمد : لا خلاف بين العلماء أن السماء على مثال الكرة وأنها تدور بجميع ما فيها من الكواكب كدورة الكرة على قطبين ثابتين غير متحركين : أحدهما في ناحية الشمال والآخر في ناحية الجنوب . قال : ويدل على ذلك أن الكواكب جميعها تدور من المشرق تقع قليلا على ترتيب واحد في حركاتها ومقادير أجزائها إلى أن تتوسط السماء ثم تنحدر على ذلك الترتيب . كأنها ثابتة في كرة تديرها جميعها دورا واحدا . قال : وكذلك أجمعوا على أن الأرض بجميع حركاتها من البر والبحر مثل الكرة . قال : ويدل عليه أن الشمس والقمر والكواكب لا يوجد طلوعها وغروبها على جميع من في نواحي الأرض في وقت واحد بل على المشرق قبل المغرب .

قال : فكرة الأرض مثبتة في وسط كرة السماء كالنقطة في الدائرة . يدل على ذلك أن جرم كل كوكب يرى في جميع نواحي السماء على قدر واحد فيدل ذلك على بعد ما بين السماء والأرض من جميع [ ص: 196 ] الجهات بقدر واحد فاضطرار أن تكون الأرض وسط السماء .

وقد يظن بعض الناس أن ما جاءت به الآثار النبوية من أن العرش سقف الجنة وأن الله على عرشه مع ما دلت عليه من أن الأفلاك مستديرة متناقض أو مقتض أن يكون الله تحت بعض خلقه " كما احتج بعض الجهمية على إنكار أن يكون الله فوق العرش باستدارة الأفلاك وأن ذلك مستلزم كون الرب أسفل . وهذا من غلطهم في تصور الأمر ومن علم أن الأفلاك مستديرة وأن المحيط الذي هو السقف هو أعلى عليين وأن المركز الذي هو باطن ذلك وجوفه وهو قعر الأرض هو " سجين " " وأسفل سافلين " علم من مقابلة الله بين أعلى عليين وبين سجين مع أن المقابلة : إنما تكون في الظاهر بين العلو والسفل أو بين السعة والضيق وذلك لأن العلو مستلزم للسعة والضيق مستلزم للسفول وعلم أن السماء فوق الأرض مطلقا لا يتصور أن تكون تحتها قط وإن كانت مستديرة محيطة وكذلك كلما علا كان أرفع وأشمل .

وعلم أن الجهة قسمان : قسم ذاتي . وهو العلو والسفول فقط . وقسم إضافي : وهو ما ينسب إلى الحيوان بحسب حركته : فما أمامه [ ص: 197 ] يقال له : أمام وما خلفه يقال له خلف وما عن يمينه يقال له اليمين وما عن يسرته يقال له اليسار وما فوق رأسه يقال له فوق وما تحت قدميه يقال له تحت وذلك أمر إضافي . أرأيت لو أن رجلا علق رجليه إلى السماء ورأسه إلى الأرض أليست السماء فوقه وإن قابلها برجليه وكذلك النملة أو غيرها لو مشى تحت السقف مقابلا له برجليه وظهره إلى الأرض لكان العلو محاذيا لرجليه وإن كان فوقه وأسفل سافلين ينتهي إلى جوف الأرض .

والكواكب التي في السماء وإن كان بعضها محاذيا لرءوسنا وبعضها في النصف الآخر من الفلك فليس شيء منها تحت شيء بل كلها فوقنا في السماء ولما كان الإنسان إذا تصور هذا يسبق إلى وهمه السفل الإضافي كما احتج به الجهمي الذي أنكر علو الله على عرشه وخيل على من لا يدري أن من قال : إن الله فوق العرش فقد جعله تحت نصف المخلوقات أو جعله فلكا آخر تعالى الله عما يقول الجاهل .

فمن ظن أنه لازم لأهل الإسلام من الأمور التي لا تليق بالله ولا هي لازمة بل هذا يصدقه الحديث الذي رواه أحمد في مسنده من حديث الحسن عن أبي هريرة ورواه الترمذي في حديث الإدلاء ; [ ص: 198 ] فإن الحديث يدل على أن الله فوق العرش ويدل على إحاطة العرش كونه سقف المخلوقات .

ومن تأوله على قوله هبط على علم الله كما فعل الترمذي لم يدر كيف الأمر ولكن لما كان من أهل السنة وعلم أن الله فوق العرش ولم يعرف صورة المخلوقات وخشي أن يتأوله الجهمي أنه مختلط بالخلق قال : هكذا وإلا فقول رسول الله صلى الله عليه وسلم كله حق يصدق بعضه بعضا .

وما علم بالمعقول من العلوم الصحيحة يصدق ما جاء به الرسول ويشهد له . فنقول : إذا تبين أنا نعرف ما قد عرف من استدارة الأفلاك علم أن المنكر له مخالف لجميع الأدلة لكن المتوقف في ذلك قبل البيان فعل الواجب وكذلك من لم يزل يستفيد ذلك من جهة لا يثق بها . فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم } وأن كون بعض الحركات العالية سبب لبعض الحوادث مما لا ينكر بل إما أن يقبل أو لا يرد .

فالقول بالأحكام النجومية باطل عقلا محرم شرعا وذلك أن حركة الفلك وإن كان لها أثر ليست مستقلة بل تأثير الأرواح وغيرها [ ص: 199 ] من الملائكة أشد من تأثيره وكذلك تأثير الأجسام الطبيعية التي في الأرض وكذلك تأثير قلوب الآدميين بالدعاء وغيره من أعظم المؤثرات باتفاق المسلمين وكالصابئة المشتغلين بأحكام النجوم وغيرهم من سائر الأمم فهو في الأمر العام جزء السبب وإن فرضنا أنه سبب مستقل أو أنه مستلزم لتمام السبب فالعلم به غير ممكن لسرعة حركته وإن فرض العلم به فمحل تأثيره لا ينضبط ; إذ ليس تأثير خسوف الشمس في الإقليم الفلاني بأولى من الإقليم الآخر وإن فرض أنه سبب مستقل قد حصل بشروطه وعلم به فلا ريب أن ما يصغر من الأعمال الصالحة من الصلاة والزكاة والصيام والحج وصلة الأرحام ونحو ذلك مما أمرت به الشريعة يعارض مقتضى ذلك السبب ; ولهذا أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم بالصلاة والدعاء والاستغفار والعتق والصدقة عند الخسوف وأخبر أن الدعاء والبلاء يلتقيان فيعتلجان بين السماء والأرض .

والمنجمون يعترفون بذلك حتى قال كبيرهم " بطليموس " ضجيج الأصوات في هياكل العبادات بفنون الدعوات من جميع اللغات يحلل ما عقدته الأفلاك الدائرات فصار ما جاءت به الشريعة إن حدث سبب خير كان ذلك : الصلاة والزكاة يقويه ويؤيده وإن حدث سبب شر كان ذلك العمل يدفعه وكذلك استخارة العبد لربه إذا هم بأمر كما [ ص: 200 ] أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : { إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين } الحديث فهذه الاستخارة لله العليم القدير خالق الأسباب والمسببات خير من أن يأخذ الطالع فيما يريد فعله . فإن الاختيار غايته تحصيل سبب واحد من أسباب النجح إن صح . والاستخارة أخذ للنجح من جميع طرقه فإن الله يعلم الخيرة فإما أن يشرح صدر الإنسان وييسر الأسباب أو يعسرها ويصرفه عن ذلك .

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم { من أتى عرافا فسأله } الحديث رواه مسلم من حديث صفية بنت أبي عبيد عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم . والعراف يعم المنجم وغيره إما لفظا وإما معنى . وقال صلى الله عليه وسلم { من اقتبس شعبة من النجوم فقد اقتبس شعبة من السحر زاد ما زاد } رواه أبو داود وابن ماجه فقد تبين تحريم الأخذ بأحكام النجوم علما أو عملا من جهة الشرع وقد بينا من جهة العقل أن ذلك أيضا متعذر في الغالب . لأن أسباب الحوادث وشروطها وموانعها لا تضبط بضبط حركة بعض الأمور وإنما يتفق الإصابة في ذلك إذا كان بقية الأسباب موجودة . والموانع مرتفعة . لا أن ذلك عن دليل مطرد لازما أو غالبا .

وحذاق المنجمين يوافقون على ذلك . ويعرفون أن طالع البلاد لا [ ص: 201 ] يستقيم الحكم به غالبا لمعارضة ; طالع لوقت وغيره من الموانع ويقولون : إن الأحكام مبناها على الحدس والوهم . فنبين لهم أن قولهم في رؤية الهلال وفي الأحكام من باب واحد يعلم بأدلة العقول امتناع ضبط ذلك ويعلم بأدلة الشريعة تحريم ذلك والاستغناء عما نظن من منفعته بما بعث الله به محمدا صلى الله عليه وسلم من الكتاب والحكمة ولهذا قال من قال إن كلام هؤلاء بين علوم صادقة لا منفعة فيها ونعوذ بالله من علم لا ينفع وبين ظنون كاذبة لا ثقة بها وأن بعض الظن إثم . ولقد صدق فإن الإنسان الحاسب إذا قتل نفسه في حساب الدقائق والثواني كان غايته ما لا يفيد . وإنما تعبوا عليه لأجل الأحكام . وهي ظنون كاذبة .

أما الكلام في الشرعيات فإن كان علما كان فيه منفعة الدنيا والآخرة وإن كان ظنا مثل الحكم بشهادة الشاهدين أو العمل بالدليل الظني الراجح فهو عمل بعلم . وهو ظن يثاب عليه في الدنيا والآخرة . فالحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربنا بالحق . آخر ما وجد . وصلى الله على محمد وآله وسلم .



  رد مع اقتباس